منتديات القدس الإسلامية
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي

منتديات القدس الإسلامية


 
الرئيسيةالبوابةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير سورة يس الجزء 5

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
زائر
زائر
avatar


مُساهمةموضوع: تفسير سورة يس الجزء 5   الثلاثاء سبتمبر 22, 2009 8:04 am

الدرس : 07/ 236 : تاريخ الدرس : 07/08/1992 : لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي .

موضوع الدرس : تفسير سورة يس الآيات : 45 - 65 .

تفريغ : حرم الدكتور عماد حمودة .

تصحيح لغوي : حرم المهندس عبد اللطيف علي .

تنقيح نهائي : المهندس غسان السراقبي .






بسم الله الرحمن الرحيم







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أيها الأخوة الأكارم : مع الدرس الخامس من سورة يس وقد وصلنا في الدرس الماضي من حيث التفصيلات لقوله تعالى "
وإذا قيل لهم اتقوا مابين أيديكم وماخلفكم لعلكم ترحمون(45) "


الحقيقة ربنا جل جلاله ذكر لنا بعض الشُبُهات التي يتعلق بها المعرضون ، فحينما يُدْعَوْن إلى طاعة الله . كلمة اتقوا : التقوى من الوقاية ، والوقاية لا تكون إلا من الخطر ، فالإنسان كيف يتقي عذاب الدنيا ؟ الدنيا فيها مذلات وفيها متاعب وفيها آلام لا يعلمها إلا الله ، قد يسأل سائل لماذا جعل الله عز وجل طبيعة الحياة الدنيا قائمة على الهموم والأحزان والمشكلات والأمراض وضيق ذات اليد ؟ إن هذه المضايقات كلها من أجل أن يعود الإنسان إلى الله عز وجل ، فحينما يُقال لهذا الكافر - وإذا قيل لهم اتقوا- يعني اتق عذاب الدنيا بطاعة الله

فلا تدع مع الله إله آخر فتكون من المعذبين
(سورة الشعراء:الآية213)


اتق عذاب النفس بالتوحيد اتق الكفر بالإيمان، اتق العقاب بالطاعة ، الإنسان إذا دعي إلى طاعة الله من أجل أن يقيه الله عذاب الدنيا وعذاب الآخرة .
"اتقوا مابين أيديكم "


هناك تفسيرات كثيرة لما بين أيدكم وما خلفكم ، لكن من أدق هذه التفسيرات وأقربها إلى المنطق ،
" ما بين أيديكم "


في الدنيا
" وما خلفكم "


في الآخرة ، الإنسان إذا كان معذب في الدنيا ، ولم يكن يعرف الله عز وجل ، فإذا جاء الموت هل انتهى عذابه؟ لا والله دخل في عذاب آخر ، فهناك عذابان : عذاب في الدنيا وعذاب في الآخرة ، وهناك جنتان : جنة في الدنيا وجنة في الآخرة ، فهذه دعوة
" وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم "


يعني اتق أنْ تكون ذليلا ، اتق أن تكون متألما ، اتق أن تكون قلقا ، اتق أن تكون هائما على وجهك معذبا مشتتا ، اتق كل عذابات الدنيا المادية والمعنوية ،
" وما خلفكم "


ما ينتظر الإنسان بعد الموت من آلام ، من شقاء ، من ندم شديد ، من حريق في جهنم .
" لعلكم ترحمون(45(


لأن رحمة الله خير مما يجمعون ، الإنسان أحيانا يكون في كسب الرزق يبحث عن رزقه ، أيام يتجاوز كسب الرزق إلى الجمع ، يدخل إلى عالم الجمع ، فالله يقول :
ورحمة ربك خير مما يجمعون

(سورة الزخرف:الآية32)


لأن كل الذي تجمعه في الدنيا لن تأخذه معك إلى الآخرة ، سوف تدعه في الدنيا شئت أم أبيت، فربنا عز وجل قال
" لعلكم ترحمون(45) "


يعني أنا أرحمكم في الدنيا بحياة هانئة مستقرة هادئة مطمئنة فيها رضا وفيها سرور ، وأرحمكم في الآخرة بجنة عرضها السماوات والأرض ، وثمن هذه الرحمتين مجتمعتين: أن تتقوا مابين أيديكم وماخلفكم ، أن تطيعوني ، يعني لذا اتق المحارم تكون أعبد الناس ،
إن أكرمكم عند الله اتقاكم


أدق مقياس لنجاح الإنسان هو طاعته لله عز وجل .

قال هؤلاء أهل الدنيا حينما أعرضوا عن الله عز وجل وامتلأت أنفسهم بالشهوات الخبيثة أصبحت الشهوات حجاب بينهم وبين الله ، لأن حبك الشيء يعمي ويصم وحب الدنيا رأس كل خطيئة ، إذاً هم هنا كما قال الله عز وجل :
صم بكم عمي فهم لايرجعون
(سورة البقرة:الآية18)
" وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين(46) " .


والله أيها الاخوة إن الآيات الدالة على عظمة الله عز وجل ، إن الآيات الكونية أو الآيات التي تتحدث عن أفعال الله عز وجل لا تعد ولا تحصى ، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد ، حياتك كيف بدأت وكيف تنمو وما الأحداث الكبرى التي جاءت ولماذا جاءت وما الحكمة من مجيئها ؟ هذه آيات دالة على وجود الله وعلى وحدانيته وعلى كماله ، أحيانا بعض الشدائد التي يسوقها الله عز وجل للإنسان يلقي في روعه أن هذه الشدة من أجل كذا ، هذه آية ، ما حولك من آيات دالة على وجوده وعلى كماله وعلى وحدانيته هذه أيضا آيات ، فالآيات هي العلامات الدالة على وجوده ، والدالة على كماله والدالة على وحدانيته ، وما أكثر الآيات في نفسك ، آيات في الآفاق ، آيات في الكون، آيات في طعامك ، آيات في شرابك ، آيات في أفعال الله ، آيات فيما يعامل الله به عباده ، أنت محاط بالآيات بل أنت غارق بها ، لكن هذا البث المستمر محتاج إلى جهاز استقبال فإذا لم يستقبل الإنسان هذه الآيات أنى له أن يؤمن بها قد يكون في وسط الآيات وقد يكون غارقا بالآيات وقد تكون الآيات من حوله بشكل عجيب ، ومع ذلك هو في عمى أو في غفلة لأن الشهوة حجاب بينه وبين الله ، وهذا مصداق قوله عز وجل في أول السورة :
" وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لايبصرون(9) "


هنا جعلها تحصيل حاصل ، حينما أعرض عن الله عز وجل أصبحت الشهوات كالأغلال قيدته وعطلت حركته وأعمت بصيرته إذا هو في عمى عن سعادة الدنيا وفي عمى عن سعادة الآخرة ،

إذاً

" وإذا قيل لهم اتقوا مابين أيديكم وماخلفكم لعلكم ترحمون(45) "

الإنسان إما أن يرحم في الدنيا والآخرة وإما ان يعذب في الدنيا وفي الآخرة

" وماتأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين(46) "

أنا لا أريد أن أفصل فيه لكن كلكم يعلم أن ما يجري حولنا من أحداث إن هي إلا آيات صارخات :





ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون
(سورة النحل:الآية112)


ما يجري من زلازل ، من أمطار غزيرة أحيانا ، من مجاعات ، كل هذه الآيات إنما يسوقها الله عز وجل لحكمة بالغة ، وفوق هذا وذاك يلقي ربنا في روع المؤمن أن هذه الظاهرة من أجل كذا لقوله تعالى :
ومن يؤمن بالله يهد قلبه
(سورة التغابن:الآية11)


لسر المصيبة .

الآن الشبهة الثانية

" وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين(47) "

الله عز وجل أغنى الغني وأمره أن يعطي الفقير ، وأفقر الفقير لحكمة أرادها وأمره أن يتجمل وأن يتعفف ، فحكمة الله عز وجل لا يلغيها التكليف ، أو التكليف لا يلغي حكمة الله عز وجل ، لا حكمة الله تلغي التكليف ، ولا التكليف يلغي حكمة الله ، إذاً حينما يُؤمر الغني أن يعطي الفقير فلحكمة بالغة أرادها الله عز وجل ، الغني امتحن بالغنى والفقير امتحن بالفقر .

" والاغنياء أوصيائي والفقراء عيالي ومن منع مالي عيالي أذقته عذابي ولاأبالي " .

" قال الذي كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين(47) "

الآن هناك استهزاء بليغ يعني :
" يقولون متى هذا الوعد "


متى حرف استفهام أو اسم استفهام لكن الاستفهام هنا خرج عن قصده الأصلي إلى استفهام إنكاري يشبه الاستهزاء يعني متى ... متى يوم القيامة ؟ متى الوقوف بين يدي الله عز وجل ؟ متى الجنة ؟ متى النار ؟ هذا ليس استفهام عاديا بل استفهام إنكار واستفهام استهزاء

" ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين(48) ماينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون(49) "

يعني الله عز وجل قادر أن يجعل الموت أعجل من أن توصي أسهل شيء يفعله الإنسان أن يقول كلمة : البيت لفلان ، التوصية سهلة جدا ومهمة جدا وضرورية جدا ، ومع ذلك قد يأتي الموت بأسرع مما يتيح للإنسان أن يوصي قال
" ماينظرون إلا صيحة واحدة "


صرخة واحدة تزهق أرواحهم
" فلايستطيعون توصية ولاإلى أهلهم يرجعون(50) "


دقق بالرجوع إلى البيت ، الإنسان يخرج من البيت ويرجع ، يسافر ويرجع ، يسافر للدراسة أربع سنوات ويرجع ، يسافر يقيم ببلد عشر سنوات ويرجع ، يغترب ويرجع ، موضوع الرجوع للبيت أمل كل إنسان ، لكن الميت إذا خرج من بيته لن يرجع ، لا يعود إلى بيته أثاث بيته ، مقتنيات بيته ، ما أودعه في هذا البيت من قطع نفيسة جدا ، مقتنياته الخاصة ، ممتلكاته ، مكتبه ، مزرعته ، قصره
" ولا إلى أهلهم يرجعون(50) "


معنى ذلك أن الإنسان عليه أن يعد العدة لهذه الساعة والتي يغادر دون أن يرجع ، يغادر بلا عودة ، خروج بلا عودة ، كنت أقول للأخوة الأكارم : الإنسان يدخل إلى المسجد ليصلي أو ليحضر مجلس علم ، لكن لابد له من أن يدخل مرة ليصلى عليه ، والبطولة أن تعد لهذه الصلاة ، الإنسان يخرج من بيته قائما ولابد من أن يخرج مستلقيا مرة واحدة عند الموت ، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، الليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال لابد من نزول القبر ، يعني أيها الأخوة الأكارم : هذه الآية ! الإنسان لما يفكر بهذه الواقعة التي لابد من أن تقع ،ابتعدت أو اقتربت طالت أو قصرت ، يكون بأعلى درجات الذكاء وأعلى درجات العقل ، لأن هذه الساعة لاينفع فيها مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَلاهُ فَرَأَى نَاسًا كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ قَالَ أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى فَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلا تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ وَأَنَا بَيْتُ الدُّود ِ........ *
عش ماشئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارق



ومن عد غده من أجله فقد أساء صحبة الموت
" ما ينظرون إلا صيحة واحدة "


سبحان الله قد يموت الإنسان بعد مرض طويل وقد يبقى عشر سنوات في الفراش ويحار فيه الأطباء ويتمنى أقرب الأقرباء له أن يموت ويخفف الله عنه وهذا القلب ينبض ، وقد يقف القلب لأتفه سبب ، قد يموت الإنسان وكأنه خطف ، وقد يموت بعد معاناة طويلة ، فيا ترى من أدراني أن نهاية أجلي سوف تكون بعد معاناة طويلة أو انتقال مفاجئ؟ موت الفجأة أو الفجاءة فالإنسان مادام ممكن أن يموت بعد معاناة طويلة وممكن ان يموت فجأة .

إذاً موت الفجأة للإنسان إذا ما كان مستعداً ، ما كان تائب ، ما كان ضابط أموره مؤدي الحقوق مؤدي الواجبات ، موت الفجأة مصيبة كبيرة ، لأنه مغادرة بلا استعداد . فربنا عز وجل يشير إلى ذلك يعني
" ماينظرون إلا صيحة واحدة تاخذهم "


... تأخذهم إلى الله وإذا اخذ الإنسان إلى الله عز وجل إنتهى اختياره وختم عمله وتعطل كل شيء
" وهم يخصمون(49) "


بعض العلماء قال " يخصمون في شأن البعث والرسالة " ، يا ترى في موت ما في موت؟ في جنة ما في جنة ؟ ما هو دليلك ؟ قال لك هذا القرآن ليس لهذا الزمان!!! إنسان يتناقش مع إنسان بأحقية الموت ثم جاءه ملك الموت ليخطفه فمجيء ملك الموت ونقله إلى الآخرة أبلغ جواب على مناقشته ، مرة خبير أجنبي يتناقش مع بعض المرافقين ، فالخبير الأجنبي لا يؤمن بوجود الله إطلاقا ، يتناقش مع بعض المرافقين ، فجاء ذكر لفظ الجلالة بأن الأمر بيد الله ، فامتعض امتعاض شديد جدا وقال أن هذا كله خرافة ، وبقدرة قادر دخل طرف ثوبه بعجلة مع شريط فارتطم في السقف ونزل ميتا .

يعني الموت أسرع من ذلك وهو يناقش بوجود الله عز وجل فحدث له حادث جعله من أهل الآخرة مباشرة ، قصص كثيرة جدا أثناء المناقشة جاءت الصيحة فأخذته وهم يخصمون .

المعنى الأول : يختصمون في شأن البعث وشأن الآخرة وشأن الموت وشأن ما بعد الموت وفي معنى آخر : هم في تجاراتهم وفي خصوماتهم وفي قضاياهم وفي منازعاتهم وفي قيلهم وقالهم وفي تحزباتهم في هذه المعمعمة يأتي ملك الموت فيخطف هذا الإنسان وقد يخطفه وهو في قضية مرفوعة إلى القضاء يطلع قرار صغير : تشطب الدعوة لموت المدعي، 12سنة دعوة كلفت مئات مِئات الألوف ومحامين وقضايا ومذكرات وانتقلت من محكمة لمحكمة ، آخر شيء تشطب الدعوة لوفاة المدعي " وهم يخصمون(49) " فالموت هو نهاية كل حي قال
" فلايستطيعون توصية ولاإلى أهلهم يرجعون(50) " .


أعرف رجلاً وهو في محله التجاري ، يعني انحنى رأسه ، ففارق الحياة قال الأطباء أنها سكتة دماغية ، وهو غائص في أمور التجارة إلى أقصى حد ، بايع وشاري شفهي دون عقود ، بقي أهله سنوات وسنوات بعد وفاته وهم يخلصون هذه العلاقات المالية ، ما تمكن أن يقول مَنْ شريكه ؟ ولا تمكن أن يقول أنَّ شريكه له هذه النسبة ؟ ولا تمكن أن يقول هذا البيت لمَنْ ؟ دافع دفعات وقابض قبضات وعامل شركات كله شفهي ، بقي أهله سنوات طويلة وهم يحلون هذه المشكلات أي
" فلايستطيعون توصية ولاإلى أهلهم يرجعون(50) " .


مادامت المغادرة سريعة وقد تكون فجائية فلابد من الاستعداد لهذا اليوم ، عين العقل أن تستعد لهذا اليوم ، والإنسان لا يقول أنا صغير أنا شاب ، أحداث الموت تؤكد أن الموت لا يفرق بين شاب وشيخ ، في رجل أعرفه عمره حوالي 32 سنة ، شاب في ريعان الشباب له زوجة صار معها تشمع في الكبد وصار معها استسقاء ، فالأطباء يخففون عنه أن موتها قريب وأنَّ أجلها انتهى وانتهت حياتها ، موضوع ساعات ، موضوع أيام ، وكان موظفا أنا كنت حاضر مرة فدخل الآذن وقال مات فقلنا ماتت ، فقال لا مات زوجها ، نحن فكرنا الزوجة توفت لكن المفاجأة أن الزوج توفي كان عمره 32 سنة هو ينتظر وفاتها فإذا هو يسبقها .

إذاً أحداث الموت سريعة جدا تأتي بسبب أحيانا وأحيانا بلا سبب ، مرة رجل أورث مبلغ فلكي ، حوالي ألف مليون ، أحد الورثة نصيبه من هذا الإرث تسعين مليون ، فسعى ليلا نهارا ليحصل هذا المبلغ وبقي ستة أشهر يسعى سعيا حثيثا لتجميع هذا المال ولأخذه ، دخل إلى الحمام وهو يغسل يديه وقع ومات ولم يقبض درهما من هذا المال، الموت سريع جدا .

لذلك الإنسان العاقل يحتاط للموت قبل مجيئه ، السمكة العاقلة لما سمعت الصياد يقول أنه سيعود ليصطاد هذه السمكات قال : السمكات ثلاثة كيسة و أكيس منها وعاجزة أما الأكيس فإنها ارتابت وتخوفت وقالت العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها ، خذوا هذه القاعدة، والأقل عقلا حين وقوعها والغبي الجاهل لا يحتاط لا قبل وقوعها ولا أثناء وقوعها و لا بعد وقوعها هذا العاجز ، لهذا قال عليه الصلاة والسلام " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني "، الحقيقة الأماني لا اعتقد واحد إلا ويتمنى أن يكون من أهل الجنة ، لكن ربنا عز وجل لا يتعامل مع عباده بالأماني إطلاقا لقول الله عز وجل :
ليس بإمانيكم ولااماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به
(سورة النساء:الآية123).


لذلك الله يغفر لنا ، الله عز وجل كريم إن شاء الله يغفر لنا ويسامحنا ، والله يدخلنا الجنة ، هذا كلام إذا ما في معه عمل ، قد يقول قائل ما الدليل على ذلك ؟ اسمعوا الدليل : ربنا عز وجل لخص القرآن كله في آية واحدة
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد


انتبهوا الآن :
فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولايشرك بعبادة ربه أحدا

(سورة الكهف:الآية110)


الله عز وجل بهذه الآية ربط الرجاء بالسعي والعمل ، وأي رجاء بلا عمل تمنيات باطلة لا شأن لها عند الله إطلاقا قال :
" فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه احدا "


يعني لا يشرك بالعبادة أي ليطع الله وحده ، والطاعة لله وحده تجعل الطريق إلى الله سالكا هي الاستقامة ، أما الذي يدفعك على طريق الإيمان " فليعمل عملا صالحا " فالاستقامة تمهيد للطريق والعمل الصالح حركة على هذا الطريق ، فأي رجاء من دون عمل فهو رجاء الكسالى ورجاء المتمنين والتمنيات كلها لا شأن لها عند الله إطلاقاً

" فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون(50) ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون(51) " .

الأجداث جمع جدث وهو القبر، معنى ينسلون فلان له نسل يعني شيء خرج منه ، كيف أن هذا الطفل يخرج من بطن أمه فهو من نسلها ، وكأن القبر رحم يخرج منه الميت كما يخرج الجنين من بطن أمه
" ونفخ في الصور "


هناك نفختان للصور : نفخة لا تبقي حيا ونفخة لا تبقي ميتا ، جميع الأحياء يموتون في النفخة الأولى ، وبعد حين تنفخ النفخة الثانية فيبعث الله كل الأموات

" ونفخ في الصور "

طبعا هذه النفخة الثانية

" فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون(51) "

إلى ربك يومئذ المساق فلاصدق ولاصلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى أيحسب الإنسان أن يترك سدى ، أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا ، أيحسب الإنسان ان يترك سدى ، قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا
(سورة القيامة:الآيات29-36)


فيقول الملائكة :
" هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون(52) " .


النقطة الدقيقة أيها الأخوة أن الناس تسمع في الدنيا أنه يوجد آخرة وفي جنة وفي نار وفي حساب وفي عذاب وفي صراط مستقيم ، فوق جهنم وفي نفخة بالصور أولى وفي نفخة ثانية وفي حوض وفي صحف نشرت هذا كله يسمعه ، الويل لمن لا يصدقه ، تستمع في القرآن إلى الجنة والنار والناس في جهنم يتصايحون وهم يصرخون فيها وأهل الجنة ونعيمها على سرر متقابلين هذه المشاهد والصور في الجنة والنار وهذا الوعد الذي وعد الله به عباده المؤمنين والوعيد للكافرين هذه كلها أخبار لم تقع بعد ، مادام الله هو المخبر ، خالق الكون هو المخبر ، فالويل لمن لم يصدقها ، الويل لمن لايعبأ بها ، الويل لمن لايأخذها مأخذ الجد
" قالوا ياويلنا " .


واحد عايش بالعام الدراسي ومفكر الأمور من دون امتحان كله دعاية ما في امتحان وما في شيء ، لكن لما يقرع جرس الامتحان ويدخل مع الطلاب وتوزع أوراق الأسئلة ولا يفهم شيئا يكتبه ، في كفالة عليه وفي بعثة وفي مشكلات ، عندئذ يحق الحق

" ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ماوعد الرحمن وصدق المرسلون(52) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون(53) "

الله يحمينا من الخزي والعار يوم القيامة ، كل الخلق بين يدي الحق وأعمال الخلق كلها مسجلة تعرض عليهم بأدق تفاصيلها ، يعني الإنسان لما يعاين عمله السيئ يذوب ، لذلك ورد في بعض الأحاديث أن العار يلزم المرء يوم القيامة حتى يقول يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون علي مما ألقى وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب ، يعني عذاب الحريق لا يحتمل والعذاب الذي لا يقل عنه عذاب النفس حينما تشعر أنها ضيعت الآخرة كلها ، ضيعت فرصتها الأبدية الوحيدة خسرت نفسها
" إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون(53) "


راقب أحيانا بعض صور المجرمين ملامح صور المجرم حينما يصور وهو في قفص الاتهام ، أولا وجههم كالح ، ثانيا بصره كسير عينه للأرض لايستطيع أن ينظر في المصور، هذه لحظة الندم ومشاعر الندم مشاعر مؤلمة جدا .

أيام الإنسان ببعض حالات الندم ينتحر لا يحتمل شعور الندم

" إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون(53) "

والله عز وجل قال :

أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين
(سورة القصص:الآية61).


يعني مسافة كبيرة جدا بين إنسان يطرق بابه، يلقى القبض عليه ، تكبل يديه مهانا معذبا ، وبين إنسان يطرق بابه فتأتيه بطاقة دعوة بيضاء مذهبة وفيها عبارات الشكر والامتنان لو انه حضر الدعوة ، فيذهب في الوقت المناسب فيجد الاستقبال الحار والمكان المريح والطعام الطيب والمؤانسة والابتسامة والتكريم والهدايا ، شتان بين من يذهب إلى الله وفدا وبين من يساق مجرما ، فرق كبير ! لذلك أحد العلماء سؤل كيف القدوم على الله؟ قال أما المؤمن فكالغائب يرد إلى أهله وأما الكافر فالعبد الآبق رد إلى مولاه ، يعني تلاحظون ملاحظة أن ربنا عز وجل في أكثر الآيات يقول: آمن بالله واليوم الآخر .

يعني إذا لم يكن الإيمان باليوم الآخر أحد ركائز تصوراتك ، احد ركائز عقيدتك ، أحد ركائز حركتك في الحياة ، فالمشكلة كبيرة جدا يعني قبل أن تفعل شيئا ، قبل أن تأخذ ، قبل أن تعطي ، قبل أن توافق ، قبل أن تغضب ، قبل ان تضرب ، قبل أن تُطَلِّق ، قبل أن تتزوج، قبل أن تشارك ، قبل أي حركة ، تصور أنك واقف بين يدي الله عز وجل ، وهو يسألك لماذا فعلت هذا يا عبدي ؟ الشهوات انتهت ، الميزات المتع انتهت ، المباهج انتهت ، بقيت المسؤولية .

لذلك الميت حينما يُشَيَّع في الجنازة ، يشيع إلى قبره ، ورد في بعض الأحاديث : أن روحه ترفرف فوق النعش تقول يا أهلي ويا ولدي لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي جمعت المال مما حل وحرم فأنفقته في حله وفي غير حله فالهناء لكم والتبعة علي .

الكافر الذي أعطاه الله مالا فأنفقه على ملذاته وعلى شهواته يسأله الله يوم القيامة يقول له عبدي أعطيتك مالا فماذا فعلت فيه ؟ سؤال كبير !!

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ جَسَدِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا وَضَعَهُ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ *

والله أيها الأخوة : لو واحد منا يعني سيسأل من قبل إنسان مهم لا ينام الليل ، لو قيل له تعال إلينا بعد يومين بس ، لا ينام الليل لأنه سيسأل شو قال شو حاكي شو مساوي ما بنام ، يقول ما غفلت ، طيب رب العالمين رافع السماوات بغير عمد سوف تقف بين يديه وسوف يسألك عن كل أعمالك ولا تستطيع أن تكذب أبدا .. الآن بعد قليل تأتي الآية يوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم ... كيف بك أيها الإنسان إذا عرضت عليك أعمالك كلها عمل عَمل ، لماذا فعلت كذا ؟

فيا أيها الأخوة نصيحة لوجه الله عز وجل انصح بها نفسي قبلكم ، قبل أن تفعل شيئا تصور أنك واقف بين يدي الله عز وجل ، ويقول لك يا عبدي لماذا فعلت كذا ، أعطيتك مالا فماذا صنعت فيه ، ما في كذب ، قال يا رب لم أنفق منه شيئا مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، قال ألم تعلم أني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم ، يقول لعبد آخر قد أعطيتك مالا فماذا صنعت فيه ، قال يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظا وأنت أرحم الراحمين، يقول أنا الحافظ لأولادك من بعد .

يحشر الأغنياء أربع فرق يوم القيامة: فريق جمع المال من حرام أنفقه في حرام فيقال خذوه إلى النار ، حسابه سريع جدا ، وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حرام ، حرام حَرام إلى النار ، حلال حرام إلى النار ، حرام حلال إلى النار ، بقي الصنف الرابع وفريق جمع المال من حلال وأنفقه في حلال قال هذا قفوه فاسألوه هل تاه بماله على عباد الله ، هل قال أصحابه يا رب لقد أغنيته بين أظهرنا فقصر في حقنا؟ هل شغله ماله عن فرض صلاة ؟ عن مجلس علم ؟ عن عمل صالح ؟ عن واجب ديني ؟ فالنبي كان بليغاً قال: فما زال يسأل ويسأل انتظر ، انتظر ، قائمة أسئلة فتركه يسأل وذهب ، فما زال يسأل ويسأل .

إذاً :

" إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون(53) فاليوم لاتظلم نفس شيئا ولاتجزون إلا ماكنتم تعملون(54) "

يعني دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء هذا المستوى تسأل عنه .. ، قشة نزعتها من المسجد وضعتها في جيبك ماقيمة هذا العمل ؟ قال الله :
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
(سورة الزلزلة:الآيات7-


نملة أثناء الوضوء حاولت ألا تغرق بالماء ، نملة أنقذتها من الغرق ، هذا العمل محفوظ عند الله عز وجل، فما قولك بما هو فوق ذلك ، دخلت امرأة النار في هرة حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ، امرأة تدخل النار من اجل هرة ، وامرأة أخرى يغفر لها من أجل كلب سقته كاد يموت عطشا:
" فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ".


هذا هو القرآن الكريم فأحد الأعراب سأل النبي الكريم وقال : عظني وأوجز أو لا تطل فتلا عليه الآية الكريمة :
" فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره "


فقال هذا الأعرابي قد كفيت ، فقال عليه الصلاة والسلام : فَقُهَ الرجل ، أيها الأخوان تعليق على هذه الآية كل واحد منا يعرف من القرآن أو الحديث أضعاف أضعَاف أضعاف ما هو مطَبِّق له ، فالمشكلة ليست في زيادة العلم ، المشكلة في تطبيق ما تعلم ، ماذا عملت بما علمت ؟ هنا المشكلة ، نتعلم كل درس أحلى من الثاني ، أخي والله الدروس حلوة ، ليس هنا القصيد المشكلة ماذا عملت فيما علمت ، إذا الإنسان وطن نفسه كما فعل الصحابة ألا ينتقل من آية إلى أخرى حتى يطبقها يرقى إلى الله سريعا ، رقي بدرجات سريعة جدا لاتنتقل من شيء حتى تطبقه
" فاليوم لاتظلم نفس شيئا ولاتجزون إلا ماكنتم تعملون(54) "


فالفوز كل الفوز والنجاح كل النجاح والفلاح كل الفلاح والعقل كل العقل والذكاء كل الذكاء أن تكون من أصحاب الجنة .

اسمعوا الآن وصف أصحاب الجنة
" إن اصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون(55) "


قال العلماء " مشغول بإكرام الله له ، مشغول بضيافة الله له ، مشغول في هذا النعيم المقيم ، مشغول في النظر إلى وجه الله الكريم "، ورد في بعض الأحاديث :

" أن المؤمن ينظر إلى وجه الله يوم القيامة لأن النبي يقول إنكم سوف ترون ربكم يوم القيامة فيغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة ، في بالجنة حور عين " .

ألم يقل أحد الصحابة لزوجته عندما طلبت منه شيء ، قال اعلمي يا أمة أنه في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك .

يوجد في الجنة حور عين ، في أنهار من عسل مصفى ، في ثمار قطوفها دانية ، الفاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، في أنهار من لبن لذة للشاربين ، في لبن لا يتغير طعمه في جنات تجري من تحتها الأنهار،

فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاقي حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية
(سورة الحاقة:الآيات19-24) .


وأبلغ من كل ذلك أن تنظر إلى الله عز وجل ومع هذه النظرة إحساس بأن الله راض عنك، وهذا أعلى شعور وأشد المشاعر إسعادا للإنسان
" إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون(55) "


يعني على الأرائك في إكرام ما بعده إكرام
" هم وأزواجهم "


يعني زوجته التي في مستواه فإن كانت في الدنيا زوجته في مستواه كانت زوجته يوم القيامة وإلا فله زوجة تكون رفيقته في الجنة

" هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون(56) لهم فيها فاكهة ولهم مايدعون(57) " .

بالمناسبة نظام الجنة نظام يختلف اختلافا كليا عن نظام الدنيا ، فنظام الدنيا بالسعي ونظام الجنة بالطلب أنت في الدنيا لا يمكن أن تصل إلى شيء إلا ببذل جهد واضح ، هذا السعي ، إن الله كتب عليكم السعي في الدنيا ، فتحتاج إلى مهنة إلى عمل إلى كسب مال إلى شراء بيت إلى تجهيز البيت إلى زواج إلى مهر شراء بيت في مصيف يحتاج إلى مال إلى جهد إضافي ، فكل شيء تناله في الدنيا نظير تعب وجهد حقيقي ، لكن في الجنة يكفي أن يخطر في بالك شيء ليتحقق فورا ، الجنة أساسها الطلب ، الدنيا أساسها العمل قال
"لهم فيها فاكهة ولهم مايدعون(57) "


أي ما يدعون أي ما يطلبون ، أي طلب يطلبه المؤمن يتحقق فورا .

إذاً هو مشغول بإكرام الله له ، ومشغول بنعيمه مع زوجته ، ومشغول بما يقدم له من طعام نفيس وفاكهة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وفوق كل هذا تأتي قمة السعادة
سلام قولا من رب رحيم(58)


أي إكرام الله له يفوق كل إكرام ، أيام تدخل بيت فيه طعام طيب لكن صاحب الدعوة مقطب تقطيب ، صاحب الدعوة يذهب لذة الطعام ، لكن إذا دخلت إلى بيت وجلست على أريكة وثيرة وقدم إليك الشراب البارد ، جاء الطعام النفيس ، جاءت الفواكه ودائما صاحب البيت يقول أهلا وسهلا ، شرفتنا نورتنا إيناس صاحب البيت لايقل إسعاد لك عن الضيافة التي يقدمها لك .

فربنا عز وجل في هذه الآيات الثلاث

إن أصحاب الجنة اليوم في شغل

..مشغول في نعيمه المقيم

" هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون(56) لهم فيها فاكهة ولهم مايدعون(57) سلام قولا من رب رحيم(58) "

لكن أعظم شيء يذوقه يوم القيامة أن يكون عن ربه محجوبا :
كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون

(سورة المطففين:الآية15)


حيث أنَّ الحجاب من أشد أنواع العذاب
" وامتازوا اليوم أيها المجرمون(59) " .


إنسان في ضيافة الرحمن ، خالق الكون يسلم عليه
" سلام قولا من رب رحيم(58) "


أنت إذا واحد سلم عليك ذو شأن بتكون جمعة مبسوط ؛ صافحني وتصورت معه ؛ شوف الصورة ذو شأن ، فإذا سلم عليك النبي بالمنام تبقى أشهر وأنت في نشوة هذا المنام ، هذه الرؤية الصادقة ، فكيف وخالق الكون يقول لك
" سلام قولا من رب رحيم(58) "


خالق الكون يسلم عليك ، أما المجرم
"وامتازوا اليوم ايها المجرمون(59) "


أبعدوا عنهم المجرمين ، ما في خير أبدا ، ...مثلا يعني ... كل حركاته بالمال ، لا يتحرك حركة إلا بأجر باهظ ، تحس أنه يذبحك بهذا الأجر ، هيك أهل الدنيا شيء لله ما في ، يعني غادر الدنيا ولم يترك عملا صالحا واحدا ، حتى لو خدم له عمولة ، حتى خدماته بغير اختصاصه بدو عليها أجرة ، هذا الذي يتحرك بالأجر الباهظ وكل شيء حاسبه ... ، الله عز وجل ألم يقل كذلك ؟:

من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة
(سورة البقرة:الآية245) .


يا إخوان أي عمل صالح هو قرض لله عز وجل ، خدمت إنساناً ، علمت إنساناً عاونت إنساناً ، نصحت إنساناً ، دللت إنساناً ، يعني بذلت من وقتك ، من جهدك ، من طاقاتك، من فكرك ، من عضلاتك ، من مالك ، هذا كله قرض حسن لله عز وجل . أنت إذا بذلت خدمة ، بذلت لإنسان شيئاً أعطاك ثمنها سعراً باهظاً ، لو فرضنا معك حاجة ثمنها عشر ليرات بعتها بمائة ليرة بألف ، لكن لو أنك أقرضتها لله عز وجل لجاءتك السعادة الأبدية مقابلها ، فلذلك أخسر إنسان هو الذي يتقاضى عن أعماله الصالحة أجرا .
" وامتازوا اليوم أيها المجرمون(59) "


هذا هو الشقاء والله ، بيته اشتراه بعشرين ألف صار ثمنه 25 مليون ، بيته بالجنة ، لا ليس بيته بالجنة ، سوف يغادر الدنيا إلى دار الحساب ، والحساب دقيق، فالبطولة أن تبني قصرا في الجنة ، البطولة أن تحتل عند الله مقعد صدق، البطولة أن تكون من أصحاب الجنة، أن تكون في شغل متفكه، أنت وزوجتك في ظلال على الأرائك ، أما إذا الإنسان حصل على الدنيا ولم يعبأ إن كان من حلال أو حرام ، ولم يعبأ إن كان مستقيما أم منحرفا، ثم جاء ملك الموت فهو في خسارة كبيرة .

الآن العتاب الإلهي
ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان


الشيطان ماذا يعمل؟ قال إنما يأمر بالفحشاء ، الشيطان يخوفك ، يقول لك على الله مالا تعلم ، يخوفك من العمل الصالح من طاعة الله عز وجل

" ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين(60) "

خالق الكون نصحك في القرآن كله ، وأن لا تتحرك بوسوسة من الشيطان ، أن راقب الناس : فتجد خصوماتهم داخل فيها الشيطان ، فمعظم حالات الطلاق أساسها الشيطان ، تجد الشيطان يحمس الزوج ويكرهه بزوجته ، ويحمس الزوجة ويكرهها ، يزيد الشيطان البيت جحيماً ، لو في البيت صلاةً لما صار هذا الشيء ، لو فيه قرآن ما صار هذا الشيء ، لو فيه طاعة لله ما صار هذا الشيء، لأن الرحمان يكون قد دخله ، و الناس نوعان : شيطاني و رحماني ، الشيطاني: يتحرك بدافع الشيطان ، اضربه مثلاً ، كُلْ ماله ، دائما في دوافع عدوانية .

المؤمن يقول لك: سامحه ، عاونه ، اعف عنه ، فهنيئا لمن يتحرك بإلهام الملك ، والويل لمن يتحرك بوسوسة الشيطان

" ألم أعهد إليكم يابني آدم ألا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين(60) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم(61) "

هناك أدلة كثيرة ، فمثلاً عندما ترى إنساناً تدمر نتيجة كسب المال الحرام ، أو بالعدوان ، أو بالانحراف الأخلاقي ، ..دُمِّرَ وفضح ، أفلس مثلا ، أو حكم عليه بالسجن ، أو أعدم قل هذا من عمل الشيطان . يعني مسافة كبيرة جدا بين إنسان رحماني يهتدي بهدي الله عز وجل وبين إنسان الشيطان يؤزه أزا
"وأن اعبدون"


يارب كيف نعبدك ؟
" هذا صراط مستقيم(61) "


هذا منهج القرآن فيه كل شيء ، والسُنّة فيها كل شيء ، أن عندك الكتاب والسنة ، ما إن نتمسك بهما فلن نضل أبدا ، معك منهج من خالق الكون ، معك تعليمات الصانع معك دستور ، مع قانون ، معك مفتاح السعادة ، معك مفتاح السلامة ، معك نور مبين مع حبل متين ، معك حصن حصين هو كتاب الله .

انظر هذه الآية
وأن أعبدوني


كيف يا رب ؟
هذا صراط مستقيم(61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون(62)


ألم تر أمماً دمرها الله عز وجل ، شعوبا فسقت فأهلكها الله عز وجل ، أمما ذات حضارة عريقة انتهت وطويت صفحاتها ، أين هم ؟ هم اسرى أعمالهم ، الله عز وجل قال :
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا
(سورة غافر:الآية46)


فمثلاً الفراعنة مضى على دمارهم 6000 عام وكل عام فيه 365 يوم وباليوم مرتين ، والخير لقدام :
" النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب"

" ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون(62) ".


الآن العالم الشرقي والعالم الغربي يعاني من أمراض الانحرافات الأخلاقية ، الآن في مليون إصابة إيدز بالغرب ، بينما من يحمل المرض يقدر عددهم بعشرين مليون حامل لمرض الإيدز، والتقدير لعام ألفين أن يكون عدد الإصابات 15 مليون إصابة غير الحاملين لهذا المرض ، فهو مرض مخيف أساسه الانحراف ،
" ولقد أضل منكم جبلا كثيرا "


أمما ، شعوبا ، قرونا ،

أفلم تكونوا تعقلون(62) هذه جهنم التي كنتم توعدون(63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون(64)

هذا هو الجزاء .

أيها الأخوة الكرام : هذا كلام خالق الكون ، هذا الكلام لم يحصل بعد، ربنا عز وجل رحمة بنا ذكره لنا قبل أن يقع كي نتلافى هذه الأخطار الوبيلة ، لذلك السعيد يقرأ القرآن ويتعظ بآياته ، فلعل الله عز وجل ينجيه من مغبة تقصيره أو انحرافه ، فشتان بين من صدق الله عز وجل واتقى النار وبين من كذب بهذا القرآن فجاء بهذا الموقف العصيب الحرج ، وقيل له :
" هذه جهنم التي كنتم توعدون(63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون(64)


فالإنسان أيام يكون طليق اللسان، ذكي جدا يتمكن من أن يقنع الناس بموقفه المنحرف ، فهذه الطلاقة وهذا الذكاء وهذا اللسان وقوة الحجة لا تنفعه يوم القيامة إطلاقا ، مصدر قوة الكافر أحيانا طلاقة لسانه ، فلسفته ، تعمقه ، بيقنع انه على حق ، فربنا عز وجل في هذا الموقف العصيب
اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون(65)


يعني تعرض أعمال الإنسان عليه عملا عملاً ، لسانه معقود
" نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " .


فلذلك يا إخوان يعني قبل أن تفعل شيئا تصور أنك واقف بين يدي الله عز وجل ، وهذا اليوم لابد من أن يأتي مهما طال الأمد ، لابد من ان نقف جميعا لنسأل عن كل أعمالنا، فالسعيد من جعل عمله وفق الشرع والشقي من حاد وانحرف ودفع الثمن باهظا .

والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابو اسلام
مراقب
مراقب
avatar

تاريخ التسجيل : 17/08/2009
تاريخ الميلاد : 05/12/1982
العمر : 35
عدد المشاركات : 1554
نقاط : 33511
الجنس : ذكر
من أين علمت عن المنتدى :
أعلام الدول :

مُساهمةموضوع: رد: تفسير سورة يس الجزء 5   الخميس مايو 20, 2010 10:47 am

مشكور جدااااااااااااا

__________________________________
منذُ وُلِدَّتَ ، و أنتَ تـَفخر بالإسلام


فمتى يفخر الإسلام بك؟؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
تفسير سورة يس الجزء 5
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات القدس الإسلامية :: الســـــــــــــــــــاحة القرآنيــــــــــــــــــة :: منتدى تفسير القرآن الكريم وعلومه وأحكام التجويد-
انتقل الى: